الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

355

نفحات الولاية

إشارة إلى أنّهم سلبوهم حياة القرى والمدن المباركة وهجّروهم إلى الصحارى والمناطق الجرداء القاحلة . ثم قال عليه السلام : « فَتَرَكُوهُمْ عَالَةً « 1 » مَسَاكِينَ إِخْوَانَ دَبَر « 2 » ووَبَر « 3 » ، أَذَلَّ الْامَمِ دَاراً ، وأَجْدَبَهُمْ قَرَاراً لَايَأْوُونَ « 4 » إِلَى جَنَاحِ دَعْوَة يَعْتَصِمُونَ بِها ، وَلَا إِلَى ظِلِّ أُلْفَة يَعْتَمِدُونَ عَلَى عِزِّهَا » . آنذاك خاض عليه السلام في شرح معطيات هذا الوضع فقال : « فَالْاحْوَالُ مُضْطَرِبَةٌ ، والأَيْدِي مُخْتَلِفَةٌ ، والْكَثْرَةُ مُتَفَرِّقَةٌ ، فِي بِلَاءِ أَزْل « 5 » ، وأَطْبَاقِ جَهْل ! مِنْ بَنَات مَوْؤُودَة « 6 » ، وأَصْنَام مَعْبُودَة ، وأَرْحَام مَقْطُوعَة ، وغَارَات « 7 » مَشْنُونَة « 8 » » . إشارة إلى أنّ اختلاف الآراء وتشتت الأفكار ، إنّما تفرز على الدوام المحن والخطوب التي تصيب المجتمعات البشريّة فتطمرها في وادي الجهل ، كما يشير تاريخ الجاهلية إلى أنّهم كانوا يمارسون الأعمال الهمجيّة والبربريّة ، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى أربعة نماذج منها ؛ فكانوا يعمدون إلى وأد بناتهم أحياءً تحت ذريعة حفظ الحرمة وابراز الغيرة والنجاة من الفضيحة والعار ، ويعبدون الأحجار التي كانوا يصنعونها بأيديهم فكان لكلّ قبيلة صنمها ووثنها ، فقريش وبنو كنانة والأوس

--> ( 1 ) . « عالة » جمع « عائل » الفقير و « عيلولة » قضاء حوائج الآخرين . ( 2 ) . « دبر » جمع « دبرة » على وزن « شجرة » القرحة في ظهر الدابة . ( 3 ) . « وبر » شعر الجمال والمراد في العبارة أنّهم رعاة . ( 4 ) . « يأوون » من مادة « إواء » على وزن « كتاب » بمعنى الدخول والسكن في مكان . ( 5 ) . « أزل » بمعنى الشدّة ؛ وتأتي بمعنى الحبس أيضاً . ( 6 ) . « موؤودة » من « وأد » على وزن « رعد » تعني فيالأصل الثقل ، ثم أطلقت على البنت التي كانت تدفن وهي حيّة في عصر الجاهليّة أيضاً ، لأنّهم كانوا يخفونها تحت التراب ويضعون فوقها الكثير من التراب . ( 7 ) . « غارات » جمع « غارة » تعني فيالأصل الهجوم ، وحين يكون الهجوم من كلّ جانب يقال له « غارات مشنونة » . ( 8 ) . « مشنونة » من « شَنّ » على وزن « ظنّ » الهجوم من كلّ جانب .